Journalists & Authors   أدباء وصحفيون    

يوسف أيوب حداد  Yousef Ayoub Haddad

Ayoub.JPG (66753 bytes)

1- ماذا بقي للتفاوض عليه؟
2- المفارقات المحيرة
3- الخيانة العظمى

4- الخلط المعتمد بين الإرهاب والنضال

 

---------------------------------------------------------------------- يوسف أيوب حداد

                       ماذا بقي للتفاوض عليه؟

                                                                       سبتمبر 2002
 

كانت فلسطين من النهر إلى البحر حتى وقت قريب في المنظور العربي رسمياً وشعبياً أرضاً عربية صرفة، وكانت القضية الفلسطينية القضية المحورية المركزية القومية، ذلك ما إلتزمت به الأنظمة العربية القائمة عقب نهاية الحرب العالمية الثانية مع أنها كانت أنظمة حديثة الاستقلال الشكلي، وكانت في الواقع مرتبطة مع بريطانيا بمعاهدات عدا عن وجود قواعد عسكرية بريطانية في أراضي تلك الدول. ومع ذلك فأنها تمسكت بعروبة فلسطين وبرفض قاطع للمشروع الصهيوني ومن بعد بالكيان الصهيوني رغم الضغوطات الغربية القوية التي كان من أبرزها ممارسات الرئيس الأميركي الأسبق (هاري ترومان) لتمرير مشروع تقسيم فلسطين إلى دولتين: عربية ويهودية في الجمعية العامة للأمم المتحدة. ومع أن هذه الضغوطات أثمرت في استصدار قرار التقسيم بتاريخ 29 نوفمبر 1947 إلا أن دول الجامعة العربية رفضته ولم تعترف به.. ومن المؤسف والمخزي أن الدول العربية المستقلة والتي تضاعف عددها ولم تعد على أراضيها قواعد عسكرية أجنبية كما كان في الماضي، ولم تعد بينها وبين بريطانيا معاهدات أخذت تجنح في التنكر لعروبة فلسطين، ولاعتبار القضية الفلسطينية قضية هامشية ثانوية محلية الاهتمام بالقضايا القطرية الضيقة على حساب القضية القومية المحورية قضية فلسطين، ومعلية مصلحة النظام على مصلحة الأمة.
 

  ومما لا شك فيه أن صفقة أنور السادات باتفاقية كامب ديفيد كانت الخطوة الانحدارية العربية الرسمية بشرعنة الاغتصاب الصهيوني للأرض الفلسطينية العربية التي مهدت الطريق لخطوات عربية رسمية، والتي أدت إلى تصدع العالم العربي وإلى وأد مقررات جامعة الدول العربية، ومن بينها عدم الاعتراف بالكيان الصهيوني، ومن بينها معاهدة الدفاع العربي المشترك التي تم دفنها في غزوة شارون لبيروت عام 1982 والتي وقفت إزاءها الدول العربية موقف المتفرج، والتي أبقت فيها القاهرة علاقاتها الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني متمسكة باتفاقية كامب ديفيد متجاهلة لمعاهدة الدفاع العربي المشترك. وفي خطوة ساداتية عربية رسمية تراجعية كان مؤتمر مدريد عام 1991 الذي شرعن عربياً رسمياً الاغتصاب الصهيوني لفلسطين بطمس عروبتها والذي هدف إلى الالتفاف على الانتفاضة الفلسطينية الأولى، والذي شق الطريق لاتفاقية أوسلو عام 1993 والتي أنيط بها وأد تلك الاتفاقية، وهذا ما تحقق بالفعل. واتفاقية أوسلو الباطلة شرعاً، وعلى الرغم من كثرة معايبها ولعناتها، مهدت بدورها الطريق للأنظمة العربية المتخاذلة والمتلهفة لركوب القطار الساداتي، وكان أول الأنظمة العربية التي امتطت هذا القطار النظام الأردني بإبرامه مع الكيان الصهيوني معاهدة وادي عربة عام 1994، وبذلك بدأ تسارع الأنظمة العربية في اتخاذ خطوات تطبيعية مع كيان الاغتصاب الصهيوني.

   وكما كان متوقعاً، قياساً بالسوابق المتعددة، لم تلتزم إسرائيل باتفاقية أوسلو ولا بالاتفاقيات اللاحقة، ومن قبل بمعادلة مدريد، فقد ضاعفت من إنشاء المستعمرات وتوسيع المستعمرات القائمة ولم تلتزم بذلك في تنفيذ توصيات ميتشل، الأمر الذي أدت تراكمات الممارسات الصهيونية إلى تفجر الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي عجزت عن إخمادها رغم التخاذل العربي الرسمي في دعمها وفق مقررات قمم الجامعة العربية، وبدل الدعم مارست أنظمة عربية بشكل مباشر وغير مباشر إجهاض تلك الانتفاضة متعامية عن وحشية القمع الشاروني المتعدد الأشكال والأنواع. وفي سياق الانحدار العربي المستمر في تقديم التنازلات عن الأرض والدم والكرامة والقومية تقدم ولي العهد السعودي، الأمير عبد الله، بمبادرته التطبيعية مع الكيان الصهيوني ولم يكن مستغرباً ان لا يكتفي شارون بطرحها في سلة المهملات رغم تبني قمة بيروت لتلك المبادرة، بل عمد إلى مضاعفة ممارساته القمعية الوحشية مع الاستمرار في التوسع الاستيطاني. ومع ذلك عجز عن إخماد لهيب الانتفاضة وعن تأمين الأمن للمجتمع الصهيوني حسب وعوده المتكررة فكان لا بد من إنقاذه من المأزق الذي وجد نفسه فيه والمتمثل بالتدهور الاقتصادي والامني على حد سواء .

 وللخروج من مأزقه جرى فرض محمود عباس رئيساً لوزارة السلطة الفلسطينية بسلطة واسعة على اعتبار أنه أكثر استعداداً من ياسر عرفات في تقديم التنازلات فسوابقه بذلك معلومة في صفقة أوسلو، وفي وصفه المقاومة بالإرهاب لاحقاً في مؤتمري شرم الشيخ والعقبة. ومن نافل القول مكرراً ان اتفاقية أوسلو أجهضت الانتفاضة الأولى التي كان مهندسها، وأن المراد أميركياً وإسرائيلياً من تنصيبه رئيساً للوزراء الإسهام في إجهاض الانتفاضة الثانية في الالتفاف عليها بالموافقة، دون تحفظ، على مشروع ((خارطة الطريق)) الذي طرحه الرئيس بوش بتاريخ 24 حزيران 2002، والذي لقي ترحيباً من الاتحاد الأوروبي ومن روسيا وهيئة الأمم المتحدة، وشارون وحده سجل على هذا المشروع أربعة عشر تحفظاً، ما لبثت إدارة الرئيس بوش أن أبدت تفهماً لهذه التحفظات .

وهذا المشروع يهدف إلى تسوية نهائية شاملة بحلول عام 2005 بعد توقف أعمال العنف والإرهاب على قاعدة إقامة دولة فلسطينية بالضفة والقطاع إلى جانب الدولة العبرية يتعايشان بسلام على أن يتم تنفيذه عبر ثلاث مراحل.. وفي المرحلة الأولى يتوجب على القيادة الفلسطينية إصدار بيان بحق إسرائيل في العيش بسلام، والتوقف عن أعمال العنف والتحريض عليه، وعلى إسرائيل أن تعترف بدولة فلسطينية وأن تتوقف عن العنف والتحريض عليه. ومن الملاحظ أن النص طالب السلطة الفلسطينية بوقف فوري للعنف غير مشروط فيما تضمن تحفظ شارون على عدم فرض قيود على نشاط الجيش الإسرائيلي في مكافحة ((الإرهاب)) والقيام بضربات استباقية. وتقضي المرحلة الأولى وجوب قيام السلطة الفلسطينية بتفكيك بنى المنظمات الفلسطينية وتجريدها من السلاح وإبقاء الاحتلال الإسرائيلي حتى يتحقق هذا الأمر.. وتتضمن المرحلة الثانية إنشاء دولة فلسطينية بحدود مؤقتة عام 2003 علماً بأنه لا في القانون الدولي ولا في التاريخ والجغرافيا قيام دول بحدود مؤقتة. وتهدف هذه المرحلة إلى تعاون أمني متبادل وتطبيع العلاقات وبناء مؤسسات الدولة الفلسطينية، واستعادت الدول العربية روابطها بإسرائيل.

   وفي المرحلة الثالثة يجري التفاوض حول الحدود للدولة الفلسطينية وحول مصير المستعمرات والقدس واللاجئين. ومن المؤكد أن المجتمع الإسرائيلي بكل تياراته يتمسك بثوابت استراتيجية لا تراجع عنها تتمثل في الرفض القاطع للتخلي عن القدس الموحدة، وفي الرفض القاطع لعودة اللاجئين ولإزالة المستعمرات والانسحاب إلى حدود ما قبل حزيران 1967. ومجمل هذه الأمور الجوهرية وسواها خلا من الإشارة إليها مشروع (خارطة الطريق) على ان يجري التفاوض بشأنها بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني ولا ندري ولا المنجم يدري كيف كان محمود عباس سيتمكن من إرغام إسرائيل على التخلي عن ثوابتها الاستراتيجية حتى لو لم يستقيل.. ويبقى السؤال الملح اللجوج أين هي المساحة الأرضية الجغرافية التي يزمع أن يقيم عليها دولته العظمى التي افصح شارون إلى عدم الاعتراف بها إلا إذا تخلت السلطة الفلسطينية عن القرار الدولي 194 لعام 1948 المتعلق بحق اللاجئين في العودة.

محمود عباس كان يعلم علم اليقين عن وجود 154 مستعمرة صهيونية في الضفة و17 مستعمرة في قطاع غزة بالإضافة إلى 105 من البؤر الاستيطانية، ويعلم أيضاً المساحات الواسعة التي أقامت عليها إسرائيل الطرق الالتفافية لتحويل المجتمع الفلسطيني إلى معازل مقطعة الأوصال والاتصال فيما بينها. كما كان يعلم قبل سواه ان مشروع تقسيم فلسطين لعام 1947 أعطى الدولة الفلسطينية 47% من مساحة فلسطين الجغرافية، وأن اتفاقية أوسلو أعطت الفلسطينيين 22% من مساحة فلسطين الجغرافية، وأن اقتراح الرئيس كلينتون في كامب ديفيد عام 2000 أعطى الفلسطينيين 80 بالمائة من الـ 22% ، وأن العرض الذي طرحه شارون لدولة مؤقتة بلا سيادة تقوم على 42% من 80 بالمائة من 22% من 100% من مساحة فلسطين الجغرافية.

 وفيما تتلهى أنظمة التطبيع العربية وعلى رأسها السلطة الفلسطينية بأحلام مشروع خارطة الطريق، تمضي حكومة شارون في إقامة الجدار الأمني بالضفة الغربية وليس على الخط الأخضر الذي يفصلها عن حدود إسرائيل لعام 1967 بطول ألف كيلو متر مع ان الخط الأخضر يقتصر على 360 كيلو متراً، وفي ذلك ابتلاع مساحات آلاف الكيلو مترات من تلك الضفة لتكوين واقع جديد بحدود سياسية من طرف واحد كأمر واقع بحيث تتحول الضفة إلى سجن لمليوني فلسطيني، وقطاع غزة إلى سجن لمليون فلسطيني. وقد تمت المرحلة الأولى من تشييد ذلك الجدار بطول 148 كيلومتراً وبارتفاع ثمانية أمتار، ونجم عن ذلك فصل 67 مجمعاً سكنياً فلسطينياً عن أراضيهم و15 قرية كذلك. وعند اكتمال تشييد الجدار سيتم ابتلاع 96.500 دونم من أراضى الضفة، كما أن التواءات الجدار وجدار الطوق الداخلي سيحجزان وراءهما 65.500 دونم، وسيضيع 11.400 دونم عبر عملية بناء الجدار من خلال العوائق المقامة والخنادق. كما وقد جرى اقتلاع 83 ألف شجرة وتخريب 35 ألف متر من أنابيب الري وتدمير 11.400 دونم زراعي، وضم 31 بئر ماء ارتوازي.. أما الهدف غير المعلن من وراء ذلك فهو التضييق الاقتصادي لدفع الفلسطينيين إلى الرحيل، ومن جهة ثانية إلى تحقيق فصل عنصري على شاكلة نظام (الابارتيد) البائد في جنوب أفريقيا.

كل ذلك يجري على الأرض كأمر واقع فيما الأنظمة العربية الانبطاحية وعلى رأسها السلطة الفلسطينية تتوسل تنفيذ مؤامرة (خريطة الطريق) والسؤال الواجب طرحه، ما هي المساحة الجغرافية المتبقية من الأرض الفلسطينية لتقام عليها الدولة الفلسطينية المزعومة، وماذا بقي من أرض فلسطين للتفاوض عليها مستقبلاً، وهل إقامة دولة فلسطينية على رقعة ضيقة  قابلة للحياة على مساحة مقطعة الأوصال بالمستعمرات والطرق الالتفافية والجدار الأمني؟ أنها بالواقع لن تكون أكثر من محمية إسرائيلية تضاف إلى المحميات العربية الاثنين والعشرين، ومادام الحال على هذا المنوال في تنازلات الأنظمة العربية وفي سكون الشارع العربي فليس من المستبعد إضافة محمية جديدة إلى المحميات القائمة.  

وآخر المستجدات، فرض وقائع على الأرض، مشروع إسرائيل في هدم تسعمائة منزل لتشييد جدار أمني على الحدود مع مصر عبر مدينة رفح وسط صمت عربي رسمي ولقاءات ودية بين مسؤولين إسرائيليين ومسؤولين فلسطينيين .. وبالجدران الأمنية الثلاثة يكتمل بناء السجن لثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة والقطاع، تتولى السلطة وظيفة السجان العبد لسيده الإسرائيلي. ويصبح هذا السجن محاطاً بينه وبين مصر بجدار أمني، وبينه وبين إسرائيل بسياج ثان، وبين المملكة الأردنية بسياج أمني ثالث. فأية دولة هي هذه الدولة الفلسطينية التي أصبحت المطمح العربي الأسمى الاستراتيجي الذي يتوسل تطبيقه القادة العرب المنكوبة بهم شعوبهم من شارون ومن الرئيس الأميركي؟

التواءات الجدار وجدار الطوق الداخلي سيحجزان وراءهما 65.500 دونم، وسيضيع 11.400 دونم عبر عملية بناء الجدار من خلال العوائق المقامة والخنادق. كما وقد جرى اقتلاع 83 ألف شجرة وتخريب 35 ألف متر من أنابيب الري وتدمير 11.400 دونم زراعي، وضم 31 بئر ماء ارتوازي.. أما الهدف غير المعلن من وراء ذلك فهو التضييق الاقتصادي لدفع الفلسطينيين إلى الرحيل، ومن جهة ثانية إلى تحقيق فصل عنصري على شاكلة نظام (الابارتيد) البائد في جنوب أفريقيا.

كل ذلك يجري على الأرض كأمر واقع فيما الأنظمة العربية الانبطاحية وعلى رأسها السلطة الفلسطينية تتوسل تنفيذ مؤامرة ((خريطة الطريق)) والسؤال الواجب طرحه، ما هي المساحة الجغرافية المتبقية من الأرض الفلسطينية لتقام عليها الدولة الفلسطينية المزعومة، وماذا بقي من أرض فلسطين للتفاوض عليها مستقبلاً، وهل إقامة دولة فلسطينية على رقعة ضيقة قابلة للحياة على مساحة مقطعة الأوصال بالمستعمرات والطرق الالتفافية والجدار الأمني؟ أنها بالواقع لن تكون أكثر من محمية إسرائيلية تضاف إلى المحميات العربية الاثنين والعشرين، ومادام الحال على هذا المنوال في تنازلات الأنظمة العربية وسكون الشارع العربي فليس من المستبعد إضافة محمية جديدة إلى المحميات القائمة.
                                                                        يوسف أيوب حداد    
                                                                     
Yousef Ayoub Haddad


                  المفارقـات المحيّرة       

                                                                         يونيو 2002

 من الواضح للعيان ان مجريات الأحداث في الزمن الراهن تظهر على صعيد رسمي وشعبي البون الشاسع بين العالم العربي من محيطه إلى خليجه وبين بقية أرجاء الكرة الأرضية رسمياً وشعبياً. ففي حين تخلصت كافة أقطار العالم من نير الاستعمار المباشر نجد اليوم ان هذا الاستعمار قد عاد إلى العالم العربي باحتلال عسكري مباشر مرجب به في أكثر من قطر عربي ناهيك بالتبعيات لاستعمار سياسي واقتصادي غير مباشر. ولئن كان الاستبداد والفساد والمحسوبية وبذخ العروش على انتشار واسع في أقطار ما يسمى بالعالم الثالث فان هذه المثالب والموبقات تتفوق فيها غالبية الأنظمة العربية على بقية تلك الأقطار. وفي حين من وقت لآخر تنتفض شعوب في دنيا الله الواسعة على أنظمتها الاستبدادية العميلة نجد الشعوب العربية في سكون عدمي يتيح المجال لأنظمتها لتمعن في الاستبداد والعمالة وحتى الخيانة بالتخلي والتنازل عن الأرض والقومية والهوية الوطنية والكرامة لتصل الوقاحة بوصم النضال ضد الإحتلال بالإرهاب تماشياً مع الوصم الصهيوني والإمبريالي.

    وفي القارة السوداء بجنوب أفريقيا وفي زيمبابوي قضى الأفارقة على النظام العنصري من العرق الأبيض الأوروبي الاستيطاني، بينما في العالم العربي تلهث الأنظمة فيه لشرعنة الاغتصاب الصهيوني الاستيطاني للأرض الفلسطينية العربية باعترافات رسمية تطبيعية على كافة المستويات وسط صمت الشارع العربي المطبق.. وفي أقطار أخرى من العالم الثالث تمكن الشارع المنتفض من زلزلة عروش وفرض إرادته كما حدث في إيران والفليبين وإندونيسيا وتشيلي وفنزويلا، فلماذا لم يفعل الشارع العربي ما فعله الشارع في تلك الأقطار، مرتضياً باستبداد أنظمته وفسادها وخيانتها لقضاياه القومية وانجرارها إلى أبشع أشكال التبعية. وأدهى الدواهي إندفاع الأنظمة العربية المتصاعد في القهر والإفقار والعمالة فيما الشارع العربي في غفوة أبدية. أتراه ألف المذلة والهوان ولم يعد يعرف معنى للعزة والكرامة والقومية، أولم يكن اجتياح شارون لزهرة العواصم العربية بيروت، واقترافه مجزرة صبرا وشاتيلا كافياً لمحاسبة الشارع العربي لأنظمته التي وقفت موقف المتفرج وكأن الأمر لا يعنيها من بعيد أو قريب، أولم يكن الاجتياح والمجزرة كافيين لشطب القاهرة لإتفاقية كامب ديفيد؟ انه لمن المؤكد ان ذلك لم يحصل لأن الشارع المصري خاصة والعربي عامة لم يتحرك للمواجهة التي تقتضي التضحيات الجسام. ومادامت الأنظمة العربية في تخاذلها وانهزاميتها متمسكة باستراتيجية خيار السلام الأوحد وفي حالة من التشرذم والهزال فإن إسرائيل ستزداد غطرسةً وتدميراً وتقتيلاً واستفراداً بكل نظام عربي على حدة، وستلقى دعماً خارجياً من الإدارة اليمينية الأميركية الجديدة الحالية.

   أمام أبصار وبصائر العرب أنظمةً وشعوباً مشهدان في منتهى الخطورة على المستقبل العربي وحتى على الوجود العربي: المشهد الأول يتمثل في تصفية القضية الفلسطينية التي من بوادرها تقليص سلطة ياسر عرفات وتفويض السلطة الفعلية لمحمود عباس وهو مطلب إسرائيلي- أميركي لتعهد محمود عباس بالإجهاز على المقاومة وإطفاء جذوة الانتفاضة وقبوله بشطب حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة، وقد سبق له باتفاقية أوسلو التي كان مهندسها التمكن من الإجهاز على الانتفاضة الفلسطينية الكبرى الأولى. وهو على استعداد تام للموافقة على مشروع "خارطة الطريق" التي تفرض خنق الانتفاضة أولاً ولو أدى ذلك لحرب أهلية كما يبتغي شارون، على أن تجرى لاحقاً بعد إنجاز هذه المهمة مفاوضات حول القضايا الجوهرية العالقة كمصير القدس والمستعمرات والحدود والسـيادة، وكأن المفاوضات السابقة المتعددة مع حكومات ليكودية وعمالية أسفرت عن تحقيق أي شيء، وكما هو معروف أنها وصلت إلى طريق مسدود، وانه خلالها استمرت إسرائيل في التوسع الاستيطاني بقضم الأراضي دون توقف ضاربة بعرض الحائط لاتفاقية أوسلو ومعادلة مدريد، وبمشاريع ميتشل وتانت وبيرنز. وقياساً بالسوابق فإنه من غير المستبعد ان تقدم سلطة محمود عباس على تقديم تنازلات مرتضية بالمفهوم الشاروني للحل النهائي التصفوي.  وهذا يعني قيام سلطة فلسطينية دون سيادة تذكر على أجزاء ضيقة في الضفة والقطاع تدور في الفلك الإسرائيلي سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وحتى ثقافياً. ومن المثير للدهشة والحيرة ان لا يكون للجامعة العربية ولا لدولها أي رأي أو دور بشأن المشروع التصفوي للقضية الفلسطينية وكأنها ليست قضية عربية قومية محورية، وأن يكون القول الفعل فيها لمحمود عباس ووزارته. وإذا كانت الأنظمة العربية قد تنصلت من القضية الفلسطينية، فبأي منطق ان يتنصل الشارع العربي عن هذه القضية القومية المركزية، أوليس من المخزي والمخجل ان يتضامن انسانيون شرفاء من الأوروبيين والأميركيين مع الشعب الفلسطيني في مواجهة الهجمة الشارونية الشرسة وأن يضحي بعضهم في حياتهم بالمواجهات فيما نجد التآمر العربي الرسمي على الانتفاضة بدل دعمها على الأقل مادياً وسياسياً، ولا نجد في الشارع العربي أية مساءلة أو محاسبة لتلك الأنظمة كما أننا لا نجد تضامناً شعبياً إنسانياً على غرار تضامن أفراد أوروبيين وأميركيين. بالماضي القريب قبل كامب ديفيد الساداتية كانت القضية الفلسطينية هي القضية القومية المحورية التي يلتقي حولها بالحدود الدنيا العرب كل العرب أنظمةً وشعوباً ومن المفارقات المحيرة في الزمن العربي الراهن التنصل من هذه القضية رسمياً وشعبياً وحصر القضية بسلطة محمود عباس.

   ومن المشهد المفجع الأول إلى المشهد المفجع الثاني المتمثل باحتلال ((التحالف)) للقطر العراقي بمؤازرة عربية رسمية ميدانية وسياسية علنية. ومن المفارقات المحيرة الغريبة أن تكون مواقف دول عديدة ضد اجتياح ((التحالف)) للقطر العراقي الشقيق على طرفي نقيض من أغلبية الدول العربية التي لم تتقيد بقرارات قمتي بيروت وشرم الشيخ.. صحيح ان الضغوطات فعلت فعلها المؤثر على مواقف هذه الأغلبية ولكن هذه الضغوطات والإغراءات لم تفعل فعلها على أنظمة أخرى تحترم نفسها على عكس هذه الأغلبية التي لا تحترم نفسها.  ولابد من الإشادة بدول من العالم الثالث كتركيا وتشيلي والمكسيك قبل الإشادة بمواقف دول كبرى كفرنسا وألمانيا وروسيا وإلى حد ما الصين. ومن حقنا ان نسأل الجامعة العربية وأن نسأل أنظمتها، أين هي معاهدة الدفاع العربي المشترك تجاه الاحتلال للقطر العراقي الشقيق والمساعي المبذولة لتفتيته، وهل أصبح التنصل مبدأً متبعاً من كل قضية قومية عربية على غرار التنصل من القضية الفلسطينية؟‍!‍

   كانت الذريعة لشن الحرب على العراق ((امتلاكه أسلحة الدمار الشامل)) رغم عدم عثور لجان التفتيش على أي شيء منها، وتم استبدال هذه الذريعة بذريعة ديكتاتورية النظام في بغداد، وكأنه النظام الديكتاتوري الوحيد في العالم العربي وفي العالم الثالث، وكأن نظام بغداد كان ديمقراطياً في أزمة الخليج الأولى في الحرب العراقية- الإيرانية وبسحر ساحر تحول إلى نظام ديكتاتوري، واتضح ان الاجتياح هدف استراتيجي حتى لو ارتضى النظام العراقي بالتنحي، وحتى بدون قرار من مجلس الأمن، وهذا ما حصل بالفعل، وأصبح معلوماً لدى الجاهل بعد العاقل أن الهدف الاستراتيجي من الاجتياح يعود إلى الهيمنة على النفط العراقي، وضمان أمن إسرائيل، وإعادة ترتيب الخارطة الجغرافية للشرق الأوسط بما يخدم المصالح الصهيونية والأميركية فتكون البداية بإقامة نظام عراقي يباشر التطبيع مع الكيان الصهيوني، ويعيد تدفق النفط العراقي إلى مصفاة حيفا، وهكذا وفق هذا الترتيب تلتقي سلطة محمود عباس مع السلطة العراقية المزمع قيامها.. وفي سياق هذا الترتيب بدأت ممارسة الضغوطات باتهامات متنوعة ضد القطرين السوري واللبناني تكاد تكون هذه الاتهامات شبيهة إلى حد ما بالاتهامات التي سبق توجيهها للقطر العراقي. ومن المفارقات - على كثرتها- أن هذه الإتهامات لهذين القطرين لم تلق أي استنكار من أي نظام عربي ولا حتى من الشارع العربي.
    وتبقى الأسئلة اللجوجة الملحة، إلى متى سيستمر هذا الانحدار العربي المريع دون الاهتمام بعواقبه التي من شأنها التهديد الفعلي للوجود العربي قومياً وحضارياً ومصيرياً وتاريخياً، وإذا كانت الأنظمة العربية همّ كل نظام منها ديمومة تربعه على سدة عرشه فإلى متى يبقى الشارع العربي في سكونه العدمي غير عابئ بمصيره ومستقبله؟ إنها مفارقة المفارقات ان تكون الهوة متسعة بين الأنظمة العربية وشعوبها، وان يخيّم السكون العدمي على أوساط تلك الشعوب إلى ما لانهاية. ويبقى السؤال اللجوج الملح، لماذا لا يرى الشارع العربي في المقاومة اللبنانية البطلة المدعومة من النظام اللبناني درساً بليغاً في دحر الاحتلال الإسرائيلي، ولماذا لا يرى هذا الشارع درساً في البطولات الملحمية النادرة في صمود المقاومة الفلسطينية بوجه شراسة الهجمة الإسرائيلية دون أي دعم عربي رسمياً كان أو شعبياً، وما لم يتعلم الشارع العربي هذا الدرس فإن الهيمنة الصهيونية المطلقة لن تقتصر على المسافة من النيل إلى الفرات بل من المحيط إلى الخليج وتبقى مفارقة المفارقات بين الشارعين اللبناني والفلسطيني وبين بقية الشوارع العربية.

  مهزلة المهازل ما بين المحيط والخليج رسمياً وشعبياً التجاهل المطلق لمجريات الأحداث في العراق وفي فلسطين.. في العراق كان الهدف المعلن لاجتياحه التخلص من أسلحة الدمار الشامل فيه لما تشكله من تهديد لأمن جيرانه، ولما ثبت عدم وجود هذه الأسلحة أصبح الهدف المعلن تحرير العراق من ديكتاتورية نظامه، وليتحول الاجتياح بعد ذلك إلى الاحتلال المشرعن من قبل مجلس الأمن كأمر واقع دون أي اعتراض عربي رسمي أو شعبي. وفي فلسطين كان لشارون ما أراد في إسناد السلطة الفلسطينية إلى محمود عباس لأنه أكثر إستعداداً للإفراط بتقديم التنازلات ومن العجب العجاب ان تدعم القاهرة وسواها من العواصم العربية المطلب الشاروني بهذا الشأن، وهذا يعني بفصيح العبارة تصفية القضية الفلسطينية بمباركة عربية على ان يتبع ذلك إعادة ترتيب خارطة الشرق الأوسط بسايكس- بيكو جديدة. وهي أمور لم تعد مستبعدة بعد إحتلال العراق وبعد تصفية القضية الفلسطينية مادام الشارع العربي في غفوته الأبدية المزمنة.

يوسف أيوب حداد    
 
Yousef Ayoub Haddad

سسسسسسس

الخيانة العظمى

تموز (يوليو) 2002

  يتباين حجم الخيانات -على قباحتها- التي يقترفها أفراد قادة مقابل منصب صوري ولو اقتضى الأمر الوصول إليه على دبابة مستعمر أجنبي، أو كان هذا الوصول بضغوطات دبلوماسية ليتحقق من ذلك خدمة المصالح الإمبريالية على حساب المصالح الوطنية والقومية. وأكثر ما تبدو حقيقة ذلك في الواقع العربي التعيس المعاصر الذي تمارس فيه بوضح النهار الخيانة جهراً وعلانية إن بالنسبة لمواقف الأنظمة العربية تجاه الاحتلال للقطر العراقي ((لشقيق))، وإن في شرعنتها للاغتصاب الصهيوني للأرض الفلسطينية العربية.. والأدهى من ذلك وصم تلك الأنظمة المقاومة للاحتلال الصهيوني بالإرهاب تمشياً مع الوصم الشاروني والإمبريالي، ولو وقف الأمر عند حد هذا الوصم لهانت البلية، ومن الثابت أنه جرى ويجري التآمر العربي الرسمي العلني لخنق تلك المقاومة التي عجز شارون عن خنقها وأوقعته في مأزق سياسي وأمني واقتصادي فسارعت الأنظمة العربية المعروفة لتقديم النجدة له لإنقاذه من المأزق.

في الحرب العالمية الثانية اعتبر أحرار فرنسا وعلى رأسهم (الجنرال ديغول) أن إبرام (المارشال بيتان) معاهدة مع الغزاة النازيين خيانة قومية، وانتفض هؤلاء الأحرار بمقاومة شعبية بطولية ضد الاحتلال النازي، ولا تزال فرنسا رسمياً وشعبياً تمجد سنوياً هذه المقاومة بينما الأنظمة العربية المعاصرة توصم المقاومة الفلسطينية للاحتلال الصهيوني بالإرهاب، وأدهى الدواهي أن تفعل الشيء ذاته السلطة الفلسطينية.  فرنسا اعتبرت (بيتان) خائناً مع أنه لم يتنازل عن شبر واحد من أرض فرنسا للنازيين الغزاة، بينما الأنظمة العربية تنازلت وتتنازل عن الأرض العربية وعن الكرامة القومية وعن دماء الشهداء والجرحى وحتى عن المقدسات والهوية وشتان شتان بين خيانة (بيتان) وخيانات تلك الأنظمة.
    مع غياب عبد الناصر أطل عصر الردة على يد خليفته أنور السادات بصفقة كامب ديفيد التفردية التي شرعن بها الاغتصاب الصهيوني للأرض الفلسطينية العربية، والتي مهد بها الطريق لردات عربية رسمية متتابعة.. وفي مؤتمر مدريد تمت هذه الشرعنة العربية الرسمية علناً على نطاق جماعي، وأعقب هذا المؤتمر تفرد القيادة الفلسطينية بصفقة أوسلو التي أزالت الحرج أمام الأنظمة العربية لركوب القطار الساداتي والتي أنهت الانتفاضة الفلسطينية الكبرى الأولى التي عجزت إسرائيل عن إخمادها, ومن عيوب هذه الصفقة على كثرتها عدا عن شرعنتها لاغتصاب الصهاينة لثمان وسبعين بالمائة من الأرض الفلسطينية، فأنها تركت الأمور الجوهرية لمفاوضات الحل النهائي لاحقاً. ومن هذه الأمور مصير اللاجئين والقدس والمستعمرات والحدود والسيادة والأسرى. وهذا يعني في ظل إنعدام التوازن في القوى ان التوصل بشأن هذه الأمور لن يكون إلا وفق المفهوم الإسرائيلي. ألم يقل اسحق شامير عقب انتهاء مؤتمر قمة مدريد أن إسرائيل ستماطل وتماطل في تنفيذ معادلة مدريد
((الأرض مقابل السلام)) وأنها ستتبنى وقائع مادية على الأرض في عملية التوسع الاستيطاني وفي ذلك نسف لتلك المعادلة. ومع ذلك أبرمت القيادة الفلسطينية بعد تصريح شامير صفقة أوسلو.. وما بين صفقة أوسلو في سبتمبر 1993 وسبتمبر 2000 إزداد عدد المستعمرات الصهيونية في الضفة والقطاع بنسبة اثنين وخمسين بالمائة. وفي عام 1993 كان عدد المستوطنين 115.000 ووصل هذا العدد عام 2000 إلى مائتي ألف. وفي شرقي القدس ارتفع عدد المستوطنين من 146.000 إلى 173.000 وأصبح عددهم الإجمالي 380.000 ولم يتوقف التوسع الاستيطاني بعد عام 2000. ومن باب المناورة في المخادعة السياسية ادعاء شارون انه يعتزم إزالة المستعمرات غير المرخص بها شرعياً وكأن المرخص بها شرعية. ومن العجب العجاب ان نرى الأنظمة العربية الساداتية في المخادعة الشارونية بادرة حسن نية.

(موشيه ديان) في رثائه لصديقه (روي روتنبرغ) الذي قتل في حرب عام 1956 أقر باغتصاب الأرض العربية الفلسطينية بقوله: لنتوقف عن قذف الذين قتلوا بالاتهامات، من نحن لنناقش حقدهم.. ها قد انقضت ثمانية أعوام وهم يجلسون في مخيماتهم في غزة وتحت أعينهم وأبصارهم نحوّل الأراضي والقرى التي عاش فيها آباؤهم وأجدادهم إلى ممتلكاتنا.. نحن جيل من المستوطنين دون الخوذة الفولاذية والمدفع لا نستطيع أن نزرع شجرة أو نبني بيتاً .

في قمة بيروت شرعنت جامعة الدول العربية بالموافقة الجماعية على المبادرة السعودية التطبيعية الاغتصاب الصهيوني. وفي قمة شرم الشيخ عام 1979 اعتبر القادة العرب ان مقاومة الاحتلال الصهيوني أعمال إرهابية. وتكرر ذلك في مؤتمر شرم الشيخ هذا العام بمباركة محمود عباس الذي أوصلته واشنطن وتل أبيب إلى منصب رئيس وزارة منتزعاً السلطة من رئيسه عرفات ليلعب الدور الذي لعبه بصفقة أوسلو التي كان مهندسها في إطفاء جذوة الانتفاضة الأولى ليقوم بالمهمة نفسها في إطفاء جذوة الانتفاضة الحالية التي يصم القائمين بها بـ((الإرهابيين)). ولتذكير سعادته نقول أن الفقه الحقوقي الدولي الحديث تطور مع تطور النظريات القومية للدول والمجتمعات، بحيث لم يعد يعطي آية حكومة حق التنازل، حتى عن جزء من أرض وطنها، وذلك انطلاقاً من قاعدة أن أرض الوطن وسائر الحقوق القومية عليها، وبصورة خاصة حقوق السيادة، ليست ملك حكومة معينة، ولا حتى جيل من أجيال الأمة، حتى يحق لحكومة في جيل معين الانتقاص منها. إنها ملك الأجيال المتعاقبة إلى الأبد. وإذا كان الأمر كذلك فإنه من نافل القول ليس لمحمود عباس ولا للقيادة الفلسطينية ولا للأنظمة العربية التنازل عن شبر واحد من الأرض العربية. ان فلسطين ليست عقارا شخصياً للسلطة الفلسطينية، أو للأنظمة العربية، وأن التغني بالواقعية والعقلانية ذرائع ساقطة، فالواقع الراهن دولياً وعربياً ليس نهاية التاريخ.

في مؤتمري شرم الشيخ والعقبة هللت أنظمة الردة العربية لمشروع خارطة الطريق بغياب كل من روسيا والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي الراعية لهذا المشروع، وبدون حضور لدولتي سوريا ولبنان، ولأمين جامعة الدول العربية. وتعهدت أنظمة الردة العربية في المؤتمرين بوقف التحريض على العنف، وعدم دعم الإرهاب وإدانته، والمقصود ضمنياً تصفية الانتفاضة. دون أي تلميح للإرهاب الشاروني الصهيوني. والأدهى من ذلك تعهد محمود عباس بمحاربة ((الإرهاب)) الذي لا يتماشى مع القيم والتقاليد العربية ولا مع جوهر الدين الحنيف دون أية إشارة للإرهاب الإسرائيلي والحصار التجويعي ومسلسل الاغتيالات والاعتقالات وهدم المنازل وجرف المزروعات، وبدل ذلك أبدى مشاعر الحزن لمعاناة اليهود التاريخية، وكأن الفلسطينيين مسؤولون عنها، وكأنهم لم يعانوا من الاحتلال الإسرائيلي منذ عقود. والظاهر أن المنصب الجديد لمحمود عباس أنساه ما ذكره في كتابه (لقاء العنصريين) عن عنصرية الكيان الصهيوني وعنصرية النظام البائد في جنوبي أفريقيا. كما أنساه ما ذكره في كتابه (الجانب الأخر) عن تشكيكه بالهولوكوست. ومن هذه الرؤية بسحر ساحر يتحول إلى شخصية جديدة مناقضة لشخصيته الأولى في كتابه (طريق أوسلو). ولم يكن غريباً بهذا التحول أن ينقلب على رفيق دربه ياسر عرفات بدعم أجنبي معروف وبمباركة شارونية.

ومما زاد في غبطة أنظمة الردة العربية موافقة شارون على مشروع ((خارطة الطريق)) رغم تحفظاته الأربعة عشر عليه، ورغم إصراره المعلن على رفضه عودة أي لاجيء فلسطيني، ورفضه التخلي عن القدس الشرقية.. والمشروع بحد ذاته عبارة عن عموميات تفترض إقامة دولة فلسطينية إلى جانب دولة يهودية على أن تجري مفاوضات بين الدولتين دون تدخل خارجي حول الأمور الشائكة التي من بينها: قضية اللاجئين ومصير القدس، والمستعمرات الإسرائيلية، والأسرى والسيادة والحدود. وفي ظل انعدام توازن القوى بين الدولتين فمن المؤكد بالحتمية المطلقة رضوخ السلطة الفلسطينية للرغبات الشارونية بالتوافق مع أنظمة الردة العربية ومما يؤكد هذا التصور ان الحكومات الإسرائيلية العمالية والليكودية على مدى عشر سنوات بعد أوسلو لم تتقيد بمعادلة مدريد ولا باتفاقية أوسلو والاتفاقيات اللاحقة، ولا بالقرارات الدولية المتعددة، ولا بمشاريع (ميتشل) و(تينت) و(بيرنز) وأن مسلسل المفاوضات قد وصل إلى طريق مسدود للتمسك الإسرائيلي بثوابت استراتيجية فهل من المعقول ان يتخلى صقور حكومة شارون الليكودية عن هذه الثوابت؟

خلاصة القول هناك حقيقتان مؤكدتان لا تحتملان نقاشاً ولا دحضاً: الحقيقة الأولى أن دولة إسرائيل كيان عنصري استيطاني توسعي مغتصب لأرض عربية يشكل قاعدة تخدم المصالح الاستعمارية الغربية، ومن المحال تخليه عن ثوابته الاستراتيجية ولا عن تفوقه العسكري. والحقيقة الثانية ان التنازل العربي الرسمي عن الأرض العربية، وعن الكرامة وعن الحق وعن دماء الشهداء لا يمكن إلا اعتباره خيانة عظمى، فهل تعي وتدرك هاتين الحقيقتين أنظمة عرب الردة وعلى رأسها سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني؟  مما لا شك فيه ان أنظمة الردة العربية تدرك هاتين الحقيقتين بكل تأكيد وترتضي بهما وأولى هذه البوادر استعداد مرتزقة السلطة الفلسطينية في غزة الانضمام إلى أجهزة الأمن القمعية الشارونية لخنق الانتفاضة، وإسهام القاهرة بهذا الشأن في التدخل يصب في هذا الاتجاه المؤدي إلى حرب أهلية فلسطينية- فلسطينية يطمح إليها شارون وفي ذلك كارثة الكوارث العظمى. ويبقى العجب العجاب في سكون الشارع العربي العدمي على نهج الردة وعلى سكونه عن قمع معارضي أنظمته بذريعة أكذوبة اتهامهم بالإرهاب .

                                                                       يوسف ايوب حداد

سسسسسسس

الخلط المتعمد بين الإرهاب والنضال

آب (أغسطس) 2002

من الواضح المؤكد أنه بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وبشكل غير مسبوق من قبل، اختلط إلى حد بعيد الحابل بالنابل بصدد الإرهاب المرفوض والنضال المشروع، وجرى ويجري استغلال هذه الأحداث على أوسع نطاق لغايات استعمارية بحيث اخذ يوصم النضال التحرري ضد الاحتلال والاستعمار والعنصرية بالإرهاب، وبحيث أصبح تدريس التربية الوطنية والقومية والدينية يوصم بالتحريض على الإرهاب .. ومن المفارقات المفضوحة إن من يقوم بهذا الوصم هو الذي يمارس الإرهاب الفعلي إن بالبطش الدموي، وان بتربية النشئ على العنصرية والكراهية والحقد والاستكبار. وليس في القول أدنى مبالغة بأن الكيان الصهيوني الاستعماري الاستيطاني هو أكثر أقطار العالم ممارسةً للإرهاب والتحريض بشكليه البشري والفكري، وأن هذا الكيان نجح إلى حد بعيد في الأوساط الغربية وعلى الأخص في الولايات المتحدة باستغلاله لأحداث الحادي عشر من سبتمبر بتبني تلك الأوساط في وصم المقاومة الفلسطينية لاحتلاله بالإرهاب دون وصمه في ممارساته الإرهابية الفعلية، وأدهى من ذلك تبرير إرهابه، ولا غرابة في ذلك بالمنطق الاستعماري فجورج واشنطن في المنظور البريطاني الاستعماري كان إرهابياً، ونلسون مانديلا في المنظور الاستعماري العنصري كان إرهابياً. ومن الضرورة بمكانة التمييز بين النضال المشروع والإرهاب المرفوض.

هذا التمييز المتجاهل حالياً أوضحته الجمعية العامة للأمم المتحدة في قراراها 3034-27D بتاريخ 18 ديسمبر 1972. ومما جاء فيه: إن الجمعية العامة تؤكد (( الحق الثابت في تقرير المصير والاستقلال لجميع الشعوب الخاضعة للأنظمة الاستعمارية والعنصرية ولغيرها من أشكال السيطرة الأجنبية، وتؤكد شرعية نضالها، وبصورة خاصة حركات التحرر الوطني، وفق أهداف ومبادئ الميثاق وقرارات أجهزة الأمم المتحدة)). ودان القرار (( أعمال القمع والإرهاب التي تستمر الأنظمة الاستعمارية والعنصرية والأجنبية بممارساتها حارمة الشعوب من حقها الشرعي في تقرير مصيرها واستقلالها، ومن حقوق الإنسان الأخرى والحريات الأساسية)). وتكرر هذا التمييز في قرار الجمعية العامة 3103 بتاريخ 22 ديسمبر 1973، وقرارها 145 بتاريخ 17 ديسمبر 1979. مما يعني بوضوح لا لبس فيه ان مقاومة الاحتلال الصهيوني العنصري نضال مشروع وليس إرهاباً، ويعني أيضا أن الممارسات القمعية الإسرائيلية لهذا النضال المشروع هي الإرهاب الحقيقي. وإذا كانت مقاومة الاحتلال النازي نضالاً مشروعاً فلماذا يجري اعتبار المقاومة الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلي إرهاباً؟

من الثوابت المؤكدة أن الأيديولوجية الصهيونية مكيافيلية الطابع، ذلك أن الوسيلة لبلوغ الغاية مبررة مهما كانت لا إنسانية، ومهما كانت غير أخلاقية، وحتى لو كانت إرهابية دموية. فالإرهاب وسيلة صهيونية لإقامة الدولة، وهو وسيلة متعمدة لاقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه، وإحلال مهاجرين يهود مكانهم بمساندة إمبريالية غربية تلعب فيها الدولة الصهيونية العنصرية دوراً مهما في خدمة المصالح الإمبريالية.. وهذا ما أوضحه صراحة مؤسـس الحركة الصهيونية تيودور هرتزل في كتابه (دولة اليهود) الصادر عام 1896 بقوله: (( إن دولة اليهود يجب أن تشكل في فلسطين جزءاً لا يتجزأ من سور الدفاع عن أوروبا في آسية، وقلعة متقدمة للحضارة ضد البربرية)). وفيما يتعلق باقتلاع الشعب الفلسطيني من موطنه جهر هرتزل بذلك صراحة في مذكراته بقوله : (( سنحاول ان نخرج السكان المعدمين عبر الحدود بأن نجد لهم عملاً في البلاد التي نطردهم إليها، وننكر عليهم أي عمل في بلدنا. وإذا انتقلنا إلى منطقة توجد فيها حيوانات مفترسة لم يتعود عليها اليهود كالأفاعي الكبيرة فسأحاول أن استعمل السكان المحليين للقضاء على هذه الحيوانات قبل ان أجد لهم عملاً في البلاد التي يعبرون إليها)). ولم يكن هرتزل وحده بين القادة الصهاينة الذي افصح عن نقد الحق الطبيعي للشعب الفلسطيني بأرضه، وعن الحق المطلق لليهود باغتصاب تلك الأرض، فقد أشار إلى ذلك صراحة أكثر من زعيم صهيوني في كتاباتهم. ومن هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر مناحيم بيغن في كتابه (الثورة) بقوله: (( سنحاول بالقوة تحويل اللا شرعية إلى شرعية)). وذهب فلاديمير جابوتنسكي في مخاطبته لكل يهودي إلى القول: (( كل إنسان آخر على خطأ وأنت وحدك على صواب. لا تحاول أن تجد أعذاراً من أجل ذلك فهي غير ضرورية وغير صحيحة)). أما مناحيم شابنكين فقد كان أكثر صراحة عن الاعتماد على القوة لاغتصاب الأرض: (( إن المرء لا يشتري أرضاً بل يستولي عليها بالقوة ويأخذها لنفسه)). وفيما يتعلق بحدود الأرض فقد اعتبر ديفيد بن غوريون أنها تمتد إلى حيث يقف الجندي الإسرائيلي، فيما رأى هرتزل ان مساحتها المطلوبة تزداد مع ازدياد عدد المهاجرين اليهود . ولقد لاحظ مبكراً المفكر اليهودي آحاد هاعام أثناء زيارته لفلسطين عام 1895، أي قبل نشوء الحركة الصهيونية بسنتين سوء مسلكية اليهود المهاجرين تجاه عرب فلسطين بقوله: (( ماذا يفعل أخواتنا في فلسطين. انهم كانوا عبيداً في (الدياسبورا) وفجأة وجدوا أنفسهم أحراراً بلا حدود أو رادع. ان هذا التحول قد خلق في نفوسهم حالة إلى الميل إلى الاستبداد كحالة العبد عندما يتحول إلى سيد فهم يعاملون العرب بروح العداء والشراسة ويفاخرون بما يفعلون)). ذلك قبل نشوء الحركة الصهيونية العنصرية، وقبل إنشاء الدولة، ومن الطبيعي أن تصبح روح العداء والشراسة اكثر حدة بعد نشوء الدولة اعتماداً على القوة والإرهاب والدعم الإمبريالي.

ومن المفروغ منه ان اغتصاب الأرض يحتاج إلى قوة ذاتية ودعم إمبريالي وهذا ما راعته الحركة الصهيونية بمختلف تياراتها. ومنذ بداية الاستيطان نشأت منظمات عسكرية صهيونية كان من بينها هاشومير والهاغاناه والبالماخ وبيتار والارغون وشتيرن، وقد جعلت تلك الحركة المستعمرات عبارة عن قلاع محصنة. هذا بالنسبة للاعتماد على الذات عسكرياً، وبشأن الاعتماد على دعم إمبريالي توكأت الحركة الصهيونية على الدعم البريطاني ومن بعد على الدعم الأميركي ولا تزال. ومن المفروغ منه ان اقتلاع شعب من أرضه لإحلال شعب آخر مكانه يستلزم اعتماد الإرهاب وسيلة وهذا ما لجأ إليه الصهاينة بسلسلة من المذابح المتواصلة كانت بدايتها مذبحة دير ياسين بتاريخ 9 أبريل 1948، ولقد أدت هذه المذابح إلى تهجير ثلاثة أرباع مليون فلسطيني ما بين عامي 1948 و1949. وفي تزوير للحقائق إدعى الصهاينة أن الدول العربية هي التي حرضت الفلسطينيين على النزوح عن وطنهم وهذه الأكذوبة فضحها المؤرخون اليهود الجد د بعد اطلاعهم على الأرشيف العسكري الصهيوني ومن هؤلاء (بيني مورس) في كتابه (نشوء مسألة اللاجئين الفلسطينيين 1947-1949) حيث أكد بأن التشريد بالإرهاب كان خطة مدروسة، وقد جاراه في هذا المنحى آخرون بينهم (امنون راز)، و(اوري رام)، و(ايلان بابه).

ومن المفارقات ان الإرهاب الصهيوني لم يقتصر على العرب بل تعداهم إلى اليهود من ذلك إغراق الباخرة (باتريا) بتاريخ 24 فبراير 1940 والباخرة (شتروما) بتاريخ 19 يناير 1942 اللتين كانتا تقلان مهاجرين يهود غير شرعيين لم تسمح سلطة الانتداب البريطاني لهم بدخول فلسطين. وكذلك نسف نادي وكنيس يهودي في بغداد عام 1950 لدفع يهود العراق على الهجرة إلى فلسطين. ومن الشخصيات اليهودية التي تم اغتيالها على أيدي يهودية (يعقوب دي هان)، (حاييم سوارلسوروف)، (إسرئيل كاستنر)، (اميل غرونزفنغ) و(اسحق رابين). ومن الشخصيات الأجنبية البارزة التي تم اغتيالها: اللورد البريطاني (موين) في القاهرة بتاريخ 6 نوفمبر 1944، واللورد السويدي (فولك برنادوت) في القدس بتاريخ 17 سبتمبر 1948. على ان أكبر المفارقات كان في التوجه الإرهابي الصهيوني ضد سلطة الانتداب البريطاني ما بين عامي  1944 و1948 من ذلك على سبيل المثال نسف إدارة المندوب السامي البريطاني في فندق الملك داوود بالقدس في 29 يونيو 1944، ومحاولة اغتيال المندوب السامي البريطاني (هارولد ماكمايكل) بتاريخ 8 اغسطس 1944 على الرغم من انه لولا الإسهام البريطاني الفعال لبقى المشروع الصهيوني حلماً بعيد المنال. 
   ومنذ قيام الكيان الصهيوني حتى يومنا هذا مارست الدولة العبرية الإرهاب والاغتيالات للعديد من الشخصيات الفلسطينية والعربية ولا يتسع المقام لذكرها حتى طالت هذه العمليات رموز مفكرين من أمثال غسان كنفاني، وطال الإرهاب الفكري أجانب من أمثال المفكر الفرنسي روجيه غارودي، والمفكر البريطاني دافيد ايرفنغ.

 وتبقى مفارقة المفارقات الكبرى هي ان دولة إسرائيل مارست وتمارس الإرهاب بشتى أشكاله وأنواعه بذرائع أمنية مختلفة وتتهم المقاومة الفلسطينية المشروعة بالإرهاب، وأدهى الدواهي ان لا يتوقف هذا الاتهام عند تبني دول غربية للموقف الإسرائيلي، بل ان يتعداه إلى أنظمة عربية تصم النضال بالإرهاب مبررة الإرهاب الإسرائيلي. انه من غير الجائز شرعاً وأخلاقاً الخلط بين النضال المشروع والإرهاب المرفوض ومن الكفر تبرير الإرهاب وتجريم النضال .

                                                                يوسف ايوب حداد         

                                       
  

 
 

 CopyRight ? 2003 Al Akhbar US, All Rights Reserved.