Journalists & Authors أدباء وصحفيون

آرا دمبكجيان     Ara Dembekjian

 

لماذا فشـل )مجلس الأمن) في مواجهة الولايات المتحدة

حزيران (يونيو) 2003

 

بمناسبة تأسيس عصبة الأمم، صاح رئيس وزراء جنوب أفريقيا (جان كريستيان) سموتس فرحاً: )) لقد نصبت الخيم، بدأت القافلة الكبيرة للإنسانية المسيرة ثانية(( .. وبعد جيل من الزمن بدا للجميع أن هذه الحركة العظيمة نحو تطبيق القانون الدولي لا زالت تتقدم في مسيرتها.. وفي عام 1945 استبدلت عصبة الأمم بمنظمة الأمم المتحدة التي بُنيت على أسـس أقوى وأمتن، فما كان من وزير خارجية الولايات المتحدة (كورديل هال) إلاّ ان يصيح بنفسه في هذه المرة على ان ))المنظمة الجديدة هي مفتاح لتحقيق أسمى توقعات الإنسانية(( وبدأ العالم مسيرته الجديدة .
  وتوقفت القافلة عن مسيرتها في مطلع هذه السنة بسبب الانشقاق الحاصل في مجلس الأمن بتفوق منطق الجغرافية- السياسية لأعضاء المجلس على منطق القانون الدولي بعد أن غدا كل يبكي على ليلاه .

وفي الحقيقة، لم يكن هناك أي تقدم خلال السنوات المنصرمة. فقد سقطت قرارات الأمم المتحدة بالتحكم في استخدام القوة -وهي القرارات المذكورة في الميثاق والموضوعة في عهدة مجلس الأمن- ضحية القوى الجغرافية-السياسية التي كانت أقوى من تحمّل مؤسسة قانونية ضعيفة لضربات تلك القوى. وأن المسألة الأكثر أهمية عام 2003 التي واجهت الدول الأعضاء في حال استخدام القوة لم تكن قانونية هذا الاستخدام، بل هل كان من الحكمة استخدامها.

لاحت بوادر فشل مجلس الأمن يوم 12 أيلول (سبتمبر) 2002 عندما أخذ الرئيس جورج بوش قضيته ضد العراق إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة وتحداها أن تأخذ أي خطوة ضد بغداد لفشلها في نزع أسلحتها، إذ قال: (( سنعمل مع مجلس الأمن لاتخاذ القرارات المناسبة)) ولكنه حذّر في الوقت نفسه أنه سيعمل وحيداً في حال فشل الأمم المتحدة في التعاون في هذه القضية. وأكد الكونغرس بعد شهر واحد تهديد واشنطن عندما فتح الرئيس صلاحية استخدام القوة ضد العراق حتى من دون الرجوع أولاً إلى الأمم المتحدة. وبعد أسبوعين، أي في الخامس من تشرين الأول (أكتوبر)، اقترحت الولايات المتحدة قراراً يحوي ضمنياً صلاحية شن الحرب ضد العراق وحذر الرئيس بوش ثانية أنه لا يمكن أن يتراجع حتى لو رفض مجلس الأمن قراره المقترح، إذ قال: (( إذا لم تكن للأمم المتحدة الرغبة أو الشجاعة لنزع أسلحة صدام حسين، وإذا لم يتخلص صدام حسين من أسلحته، ستقود الولايات المتحدة تحالفاً لنزع أسلحته)).

وبعد مساومات مكثفة خلف الكواليس، استجاب مجلس الأمن لتحدي الرئيس بوش في السابع من تشرين الثاني (نوفمبر) متبنياً القرار 1441 بالإجماع، إذ وجد العراق في حالة ((خرق مادي)) للقرارات السابقة، ووضع المجلس نظام تفتيش جديد وحذر مرة أخرى بتحمل ((التبعات الجدية)) إذا فشل العراق في عملية نزع الأسلحة. ولم يتبن القرار بصورة واضحة استعمال القوة، ولكن واشنطن وافقت على الرجوع إلى مجلس الأمن لمناقشات جديدة قبل الرجوع إلى استخدام السلاح لتحقيق الأمر .

 كان التصويت على القرار 1441 نصراً شخصياً لوزير الخارجية الأمريكي كولن باول الذي فرض زخماً سياسياً عظيماً لإقناع حكومته أن تسلك طريق الأمم المتحدة في بادئ الأمر ثم حارب في معارك دبلوماسية عنيفة لنيل الدعم الدولي.

ورغم كل هذا، حامت الشكوك حول فعالية نظام التفتيش الجديد ومدى تعاون العراق معه. وفي 21 كانون الثاني (يناير) 2003 صرح باول شخصياً أن (( عمليات التفتيش سوف لن تنجح)). ورجع إلى الأمم المتحدة بنفسه في 5 شباط (فبراير) وصاغ قضيته على أن العراق لايزال يخبئ ما لديه من ((أسلحة دمار شامل)). وفي هذا الوقت بالذات بدأت أعصاب الحلفاء تتوتر أكثر وأكثر وبدأت ملامح الانقسام تتعمق بعد أن استجابت كل من فرنسا وألمانيا بشرط إفساح وقت أكثر للتفتيش، في الوقت الذي وقعّت 18 دولة أوروبية على رسائل دعم للموقف الأميركي.

في الرابع عشر من فبراير رجع المفتشون إلى مجلس الأمن لتقديم تقريرهم وذلك بعد 11 أسبوعاً من التحقيق والتفتيش في العراق وكانت النتيجة فشلهم في العثور على أسلحة الدمار الشامل. وبعد عشرة أيام أي في 24 فبراير، قدمت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وإسبانيا مشروعاً إلى مجلس الأمن معتمدين على المادة السابعة من ميثاق الأمم المتحدة (الفقرة التي تبحث في "تهديد السلام") يطلبون على أثره من المجلس ان يعلن أن (( العراق قد فشل في التعامل مع الفرصة الأخيرة الممنوحة إليه في القرار 1441)). وفي هذا الوقت طلبت فرنسا وألمانيا وروسيا مرة ثانية منح العراق مزيداً من الوقت. وفي 28 فبراير وبعد ان بلغ الغضب أشده في البيت الأبيض، صرح وزير الصحافة آري فلايشر أن هدف أمريكا ليس نزع أسلحة العراق فقط بل يتضمن الآن ((تغيير النظام)) .

أعقبت التصريح الأميركي هذا عدة أيام من المفاوضات المكثفة، وفي الخامس من آذار (مارس) أبلغت فرنسا وروسيا بأنهما سيمنعان تمرير أي قرار يخوّل استخدام القوة ضد صدام. وأعلنت الصين في اليوم التالي أنها ستخطو الخطوة نفسها. وقدمت بريطانيا مشروع قرار لتهدئة الأجواء، ولكن الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن لم يتفقوا أبداً. وفي مواجهة تهديد جدي للسلام والاستقرار العالمي، فشل مجلس الأمن من اتخاذ أي قرار حول الموضوع .

 سـياسات القوى

كان واضحاً للجميع، وللرئيس بوش، ان فشل الأمم المتحدة في مجابهة العراق سيتسبب في ضياع هذا الجسم الدولي في غياهب التاريخ كمنظمة مناقشات غير فاعلة، ببساطة، لم تكن القضية قضية (( أزمة العراق ))، بل كانت في بزوغ نجم الولايات المتحدة كقطب قوة أحادية في الكون، ولو أن هذا الجسم الدولي قد نجح أحياناً في المشي -ولو بعرج ظاهري- في حل قضايا أخف وطأة من قضية العراق، ولكنه أثبت عدم قدرته على حل المآزق الكبيرة. ولا تتحمل أي دولة وحدها مسؤولية خطأ هذا الفشل، بل تقع التبعية على التطور المستمر بعناد للنظام الدولي ونموه المطرد الذي أربك الجميع .

لنأخذ أولاً التغيّرات التي طرأت على سياسات القوى، فقد كانت ردود الفعل متوقعة تجاه الصعود التدريجي وتفوق الولايات المتحدة. فبعد انتهاء الحرب الباردة حاول الفرنسيون والصينيون والروس إعادة العالم إلى نظام أكثر توازناً. فقد اعترف وزير خارجية فرنسا السابق هوبير فيدران عام 1998 : (( لا يمكن ان نوافق على وجود عالم بقطب سياسي واحد. ولهذا السبب نحارب لأجل عالم بأقطاب سياسية متعددة )). وقد حارب الرئيس الفرنسي جاك شيراك على الجبهة نفسها، إذ ذكر (بيير لالوش)، مستشار الرئيس شيراك للسياسة الخارجية في أوائل التسعينات، بأن سيده يريد ((عالماً متعدد الأقطاب تكون أوروبا فيه الكفة الموازنة للقوى السياسـية والعسكرية الأمريكية)) وكان شيراك هو القائل : (( إن أي مجتمع بقطب أحادي متسلط يكون مجتمعاً خطراً ويولد النزاعات)). وقد وقعت روسيا والصين معاهدة تموز (يوليو) 2001 أكدتا فيها على وجود (عالم متعدد الأقطاب) وانضمت ألمانيا متأخرة إلى الجوقة ذاتها لوقف خطر التسـلط الأمريكي، إذ ذكر وزير خارجيتها (يوشكا فيشر) عام 2000 (( ان الفكرة العامة في أوروبا بعد 1945 وإلى الآن هو الرفض التام لأي طموحات تسلطيّة لأي دولة)) .

وفي مواجهة المعارضة الأوروبية هذه، أفصحت واشنطن أنها تعمل جهدها للحفاظ على تفوقها ونشرت إدارة الرئيس بوش وثيقة في أيلول (سبتمبر) 2002 توضح فيها استراتيجية أمنها القومي إذ لم تضع مجالاً للشك على خططها للتأكيد على عدم وجود أي دولة تنافسها في القوة العسكرية. وفي الوثيقة ذاتها، أعلنت الولايات المتحدة أنها لن تكون موثوقة الأيدي بقرارات ميثاق الأمم المتحدة التي تتحكم باستخدام القوة.. لقد سقطت هذه القرارات.. وأصبحت اصطلاحات: ((قانونية)) و((لا قانونية)) مجرد عبارات غير ذات معنى عند تطبيقها في حال استخدام القوى. وكما ذكر (باول) في 20 تشرين الأول (اكتوبر): ((يعتقد الرئيس بأن لديه السلطة الآن للتدخل في العراق... كما فعلنا في كوسوفو))، وكما هو معلوم، لم يخوّل مجلس الأمن قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) لإستخدام القوة ضد ما كانت تسمى بـ(يوغوسلافيا). وكان ذلك خرقاً صريحاً لميثاق الأمم المتحدة الذي لا يسمح التدخل لأسباب إنسانية بقدر ما يسمح التدخل لشن حرب وقائية وكان كولن باول صحيحاً في موقفه: كان للولايات المتحدة التخويل المطلوب لمهاجمة العراق، ليس لأن مجلس الأمن أعطاها هذا التخويل بل لأنه لم يكن هناك قانوناً دولياً يمنعها. أي كان من المستحيل ان تعمل بطريقة لا قانونية .

 

سياسة أوروبا المزدوجة

(( يجب أن نستمر في الدفاع عن مصالحنا الحيوية كالسابق. وبإمكاننا أن نقول لا، ولوحدنا، لأي شيء يعتبر غير مقبول من قبلنا )).. قد يتوهم القارئ ان هذا الكلام ذا الوزن الثقيل جاء على لسان أحد صقور الإدارة الأميركية من أمثال وزير الدفاع (دونالد رامسفيلد) أو مساعده (بول وولفويتز) أو حتى (جون بولتون). لكن في الواقع كتبت هذه الكلمات عام 2001 من قبل (هوبير فيدران) وزير خارجية فرنسا آنئذ. أو قد يخمن أحد معارضي سياسة القوة الأميركية أن الجملة الآتية.. (( لا أشعر بالتزام تجاه الحكومات الأخرى)) قد قيلت من قبل أميركي متعنت. ولكن وفي الواقع أيضاً جاءت على لسان مستشار ألمانيا (غيرهارد شرويدر) في 10 شباط (فبراير) ‏2003‏.

إن أولى الحقائق الجيو- سياسية وآخرها أن الدول تسعى إلى الأمن من السعي وراء القوة. وأن النتيجة الطبيعية لهذا السعي وراء القوة هي إن الدول تستخدم المؤسسات القانونية كأدوات متوفرة لديها في مساعيها تلك. فبالنسبة إلى فرنسا وروسيا والصين يعتبر مجلس الأمن أن تمتعها بحق بالنقض (الفيتو) واحدة من تلك الأدوات.. وكان متوقعاً جداً أن هذه الدول الثلاث سوف تستخدم حق الفيتو لإيقاف الولايات المتحدة عند حدها وتعاملها بازدراء لصالح المشروع الذي أخذته هذه الدول على عاتقها ألا وهو إعادة العالم إلى نظام تعدد الأقطاب. فخلال مناقشة مجلس الأمن للمسألة العراقية، كان الفرنسيون بمنتهى الصراحة في مطلبهم، إذ لم يكن الهدف المطلوب نزع أسلحة العراق مطلقاً. فحسب مندوبها في الأمم المتحدة. (( إن الهدف الرئيس والثابت لفرنسا في المفاوضات هو تقوية دور وسلطة مجلس الأمن)).. وربما فرنسا أيضاً .. وكانت مصلحة فرنسا في إجبار الولايات المتحدة على التراجع لتبدو هذه الأخيرة : كأنها استسلمت لشروط فرنسا وأذعنت إلى الدبلوماسية الفرنسية. وبطريقة مشابهة، كان متوقعاً من الولايات المتحدة أن تستخدم المجلس أو ان تتجاهله، لتقديم مشروع واشنطن: الحفاظ على نظام القطب الأحادي. وكما ذكر الرئيس بوش في خطابه إلى الاتحاد في عام 2003 (( لا يعتمد سبيل هذه الأمة على قرارات الآخرين)) .

بكل بساطة، إن قدر مجلس الأمن لم يعتمد على ما فعله أو لم يفعله في قضية العراق. فلو كانت فرنسا وروسيا والصين قد وجدت نفسها في موقع الولايات المتحدة أثناء الأزمة العراقية لكانت كل واحدة منها استخدمت مجلس الأمن أحسن استخدام أو هددت بتجاهله، كما فعلت الولايات المتحدة.. وبطريقة مشابهة، لو كانت واشنطن وجدت نفسها في موقف باريس أو موسكو أو بكين لكانت استعملت (الفيتو) شأنها شأنهم. فالدول تعمل جاهداً لتحسين قواها وليست قوى منافسيها. فأمريكا، أحادية القطب، قد أضعفت وأوهنت مجلس الأمن تماماً كما شلّت حركته ثنائية القطب (أمريكا والاتحاد السوفيتي) في أثناء الحرب الباردة.. أعطت هيكلية القوة القديمة الاتحاد السوفيتي حافزاً لشـل المجلس. وأن هيكلية القوة الحالية تشجع الولايات المتحدة على تجاهله. فلو كان مجلس الأمن قد وافق على الحرب ضد العراق، لأصبحت هذه الموافقة تقليداً دائماً. وإذا كان المجلس قد عارض الحرب، لاستخدمت أمريكا حق الفيتو، وإذا كان قد رفض أخذ أي قرار، لكانت أمريكا تجاهلته. إن عدم الاتفاق على المسألة العراقية لم يقض على المجلس، بل إن الواقع الجيو- سياسي هو الذي قضى عليه. كانت هذه هي فحوى رسالة باول غير الطبيعية في العاشر من نوفمبر 2002 أن الولايات المتحدة سوف لن تعتبر نفسها مقيدة بقرار المجلس حتى لو أعلن ان العراق في حالة (خرق مادي) .

لقد اجتمعت القوى العظمى ووضعت مصالحها الخاصة فوق أي اعتبار للسعي إلى خراب مجلس الأمن.. أما المسألة العراقية، فقد جاءت في الوقت المناسب وفي المكان المناسب .

 

 
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 CopyRight ? 2003 Al Akhbar US, All Rights Reserved.