كنيسة مار افرام للسريان
بين مطرقة الإيمان وسندان المطران

      بقلم سـامر سـابا

رغم مرور أكثر من سنة على المشكلة القائمة بين نيافة المطران أوجين قبلان ومعظم أبناء رعية أبرشية مار افرام للسريان الأرثوذكس بمدينة بوربنك، ورغم أن الصحافة وأبناء الجالية لم يتدخلوا بها باعتبارها قضية داخلية خاصة بالأبرشية، إلا أن ما صدر منذ أسبوعين عن نيافة المطران بإيقاف خدمة الأب الدكتور جوزيف ترزي أثار العديد من الآراء والتدخلات وردود الفعل الغاضبة، وخصوصاً الصحفيين -وأنا واحد منهم- الذين يعرفون تاريخ وخدمات الأب الدكتور الترزي وتاريخ هذه الرعية في هذه البقعة من المهجر..

فهذا الأب الجليل "مضرب الأمثال" في تواضعه وخدماته وتفانيه في خدمة وتنظيم رعية أبناء الطائفة السريانية الأرثوذكسية، قبل ان يصل نيافة المطران وبعده. وإن كنت في هذه السطور لن أغوص في المشكلة التي علمنا عنها منذ أكثر من سنة من خلال الرسائل والبيانات التي تم تبادلها والتراشق بها علناً وبالبريد بين نيافة المطران ومعارضيه من أبناء الرعية وصولاً إلى أبناء الجالية بشكل عام.. هذه المشكلة التي تحدث أطرافها عن ملايين الدولارات والتي تم اتهام المطران بضياعها، ثم ما عرفناه عن اعترافه بهذا الخطأ الذي قرأنا عنه في هذه البيانات..

وما حدث في قداس يوم الأحد 5 أكتوبر الجاري وبعده من مظاهرات يوم الأربعاء 18 أكتوبر وأيام الأحاد بعدها، وخروج معظم أبناء الرعية بعد حضور القداس للتظاهر في باحة الكنيسة وحولها وتدخل رجال الشرطة (Police) ورجال الأمن الخاص (Security) لفض المهاترات والمشادات بين أبناء الكنيسة الواحدة الذين انقسموا بين رافض لوجود المطران في هذه الأبرشية، وبين من يهدئ الوضع ويرى أن يعطي المطران فرصة أخرى وغيره من أمور التهدئة والالتزام بالهيكلية الكهنوتية. وخصوصاً ان المطران تم تعينه من قبل قداسة البطريرك في دمشق..

هذه المشكلة التي حوّلت واحدة من أنشط الكنائس في مهجرنا إلى ساحة خلافات اخترقت بعمقها أبناء العائلة الواحدة وأبناء القرية الواحدة وأبناء الطائفة الواحدة.. هذا الخلاف المادي والتنظيمي وتداعياته جعل من سمع بها يشعر بالأسف .. فمن تابع هذه المشكلة منذ أكثر من سنة يقرأ في البيانات عن ملايين الدولارات وعن تطويب أملاك باسم مطران أو غيره من الرتب الكهنوتية، وعن حسابات مصرفية وتسجيلات عقارية وشراء وبيع ودولارات ودولارات ودولارات .. وكأن واجب الهيكليات الكهنوتية بات مقصوراً على المادة والدولارات بعيداً عن رسالة الإيمان وبعيداً عن الاهتمام بأمور الرعية الروحية!! .. هكذا في عصر تحول به الإيمان بالله إلى إيمان بالدولار، وتحولت تعاليم المسيح في المحبة والبساطة إلى معلومات مصرفية وخلافات في تسجيل عقارات ومشاكل مالية مادية.. عصر ابتعد فيه ضباط الروحانيات والإيمان إلى ضباط دولارات وعقارات فلم يعد أصحاب الرتب الكهنوتية العالية من مطران وغيره يقتصرون على تعبئة الإيمان والتقوى بل امتدت رسالتهم إلى المال والعقارات ولم تعد الرتب الكهنوتية تقبل بحياة البساطة، حتى وسيلة النقل العادية لم تعد مقبولة إلا مبهرجة كالمرسيدس واللينكولن وغيرها.
   عذراً أنا لا أتهجم على كيان الكنيسة واتباع المسيح والله ولا على ورثة مبشري الرسالة ومؤسسي الكنيسة الأوائل بطرس وبولس ومرقس وغيرهم من آباء الكنيسة فأنا لست مكفراً ولا شيوعياً ولا غيره ممن يقارعون روح الإيمان الإلهي ودور الكنيسة.

لكن المقارنة بين ما نراه الآن في حياة هؤلاء وأعمالهم مع حياة بطرس الرسول الذي قضى مشواره الإيماني الطويل بين القدس وطبريا وقانا الجليل عابراً جبال حرمون وبراري الشام وصولاً إلى إنطاكية واليونان وروما يجوب الوديان والأقفار وهو يسير برجليه المشققتين مبشراً برسالة معلمه غير عابئ بثلوج الحرمون ولا بحرارة رمال وتراب البراري ولا بعقارب الطريق أو بجنود الرومان ولا بجوع السفر وعطش الجسد، يسير بثوب وحيد عابق برائحة الورع والإيمان الحقيقي وهو يتكئ على عصا خشبية اقتطعها من غصون الأشجار لتساعده على الوصول إلى قلوب الناس وليس للحصول على قطع النقد الذهبية والفضية، عالماً حق اليقين إن من باع إيمانه ورسالته بثلاثين من الفضة قد أعدم نفسه بنفسه دون تظاهرات ودون معارضات، بعد أن وعى ما اقترفه، نعم أعدم نفسه شنقاً وسقطت الفضة من جيوبه الحياتية ليترك أصحاب الإيمان الحقيقي يتابعون الرسالة لتصل إلى قرى ومدن معظم أنحاء المعمورة.. وكذلك بولس (شاؤول) الذي تحوّل عن النفوذ والرتب المادية إلى الإيمان بالكلمة، ومثلهما مرقص وقصته مع الإسكافي في الإسكندرية .. فمسيرة الإيمان المجرد الحقيقي وحياة الكهنوت الورعة لها ملاحم طويلة في تاريخ الإيمان الديني والتضحية والتقوى والروحانيات..
   إن الابتعاد عن روح الإيمان وترك المادة تسيطر على الروح يؤجج أطماع أنصاف المؤمنين والمستفيدين من المادة ويجعل عبدة الذهب يستقوون على أي مؤسسة روحية أو دينية .. وها هي الخلافات في أبرشية السريان الأرثوذكس تصل إلى حد فضح هذا الابتعاد عن روح الإيمان .. لنرى تمسك أقوياء الرتب الكهنوتية بحقوقهم المدنية والتنظيمية على حساب الإيمان والعدل، ليطغوا بقوة الهيكلية الكنسية على من هم أصغر منهم رتبةً غير عابئين بمصلحة كنيستهم أو رعيتهم، مدججين بسلطة التدرج الكهنوتي وحيرة الرتبة الأعلى لهذه الكنيسة السريانية وهو قداسة البطريرك زكا الأول عيواص الذي عرفناه قديراً فهيماً متنوراً وكبيراً ..

وهنا أود أن أنقل إلى قداسته صورة مبسطة لما ألم برعية أبرشية مار افرام بمدينة بيربانك (دون الرجوع إلى مشكلة نيافة المطران الدولارية مع أبناء الرعية) .. فعندما أصدر نيافة المطران منذ أسبوعين فرمانه بإقصاء الأب الترزي عن الخدمة في هذه الكنيسة التي رعاها بكل تؤدة ونجاح، قام الترزي بالانصياع لأوامر الرتب الكهنوتية فابتعد دون اعتراض ودون ان يتمرد أو حتى القيام بأي ردة فعل تؤذي الرعية، وإن كان أبناء الرعية بأكثريتهم قد عبروا عن غصة الترزي وآلامه، فإنه هو لم يصارع وكأنه (الأم الحقيقية) في قصة دائرة الطباشير، هذه الأم التي لم تشأ ان تشد يد طفلها، بينما الأم الغير حقيقية كانت تشد يد الطفل الأخرى دونما اكتراث بأن الطفل سيتأذى مما اضطر أمه الحقيقية في الطرف الآخر على ترك طفلها خوفاً عليه من أذى الشد، فتدخل سليمان الحكيم وعرف الأم الحقيقية من غير الحقيقية فأمر بالطفل لأمه الحقيقية بحكمة ساطعة لم ينسها تاريخ البشرية.
    أنها الحكمة يا قداسة البطريرك وأنا لمستها عند قداستكم يا حكيم.

 

 

 CopyRight ~, 2003 Al Akhbar US, All Rights Reserved.